الشنقيطي

52

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأما « شركة الوجوه » التي قدمنا أنها هي المعروفة عند المالكية « بشركة الذمم » وقدمنا منعها عند المالكية والشافعية - فهي جائزة عند الحنفية ، سواء كانت مفاوضة أو عنانا . وقد علمت مما تقدم أن المفاوضة عندهم تتضمن الوكالة والكفالة . وأن العنان تتضمن الوكالة فقط ، وإن اشترط الشريكان في « شركة الوجوه » مناصفة المشتري أو مثالثته - فالربح كذلك عندهم وبطل عندهم شرط الفضل ؛ لأن الربح عندهم لا يستحق إلا بالعمل ؛ كالمضارب أو بالمال كرب المال . أو بالضمان كالأستاذ الذي يتقبل العمل من الناس ويلقيه على التلميذ بأقل مما أخذ ، فيطيب له الفضل بالضمان - هكذا يقولونه . ولا يخفى ما في « شركة الوجوه » من الغرر . واعلم أن الربح في الشركة الفاسدة على حسب المال إن كانت شركة مال ، وعلى حسب العمل إن كانت شركة عمل ، وهذا واضح ، وتبطل الشركة بموت أحدهما . وأما تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام أحمد رحمه اللّه - فهي أيضا قسمان : شركة أملاك ، وشركة عقود . وشركة العقود عند الحنابلة خمسة أنواع : شركة العنان ، والأبدان ، والوجوه ، والمضاربة ، والمفاوضة . أما شركة الأبدان فهي جائزة عندهم ، سواء كان العمل من الصناعات أو اكتساب المباحات . أما مع اتحاد العمل فهي جائزة عندهم بلا خلاف . وأما مع اختلاف العمل فقال أبو الخطاب : لا تجوز وفاقا للمالكية . وقال القاضي : تجوز وفاقا للحنفية في الصناعات دون اكتساب المباحات . وإن اشتركا على أن يتقبل أحدهما للعمل ويعمله الثاني والأجرة بينهما صحت الشركة عند الحنابلة والحنفية خلافا لزفر . والربح في شركة الأبدان على ما انفقوا عليه عند الحنابلة . وأما شركة الوجوه التي قدمنا أنها هي المعروفة بشركة الذمم عند المالكية فهي جائزة أيضا في مذهب الإمام أحمد وفاقا لأبي حنيفة ، وخلافا لمالك والشافعي . وأما شركة العنان فهي جائزة أيضا عند الإمام أحمد . وقد قدمنا الإجماع على جوازها . وهي عندهم : أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما . وهذه الشركة إنما تجوز عندهم بالدنانير والدراهم ، ولا تجوز بالعروض . وأما شركة المفاوضة - فهي عند الحنابلة قسمان : أحدهما جائز ، والآخر ممنوع . وأما الجائز منهما فهو أن يشتركا في جميع أنواع الشركة ؛ كأن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والأبدان فيصح ذلك ، لأن كل نوع منها يصح على انفراده فصح مع غيره .